أبي منصور الماتريدي
184
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
هَواءٌ وكقوله : لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً أو لا تكلم نفس من الأجلة والعظماء لأحد من دونهم بالشفاعة إلا بإذنه ، وهو ما ذكرناه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ : فمنهم شقي بأعماله الخبيثة التي إذا اختارها وعملها أدخلته [ النار ، ومنهم سعيد بما أكرم من الطاعة والخيرات التي إذا اختارها وعملها أدخلته ] « 1 » الجنة ، وكل عمل يعمله فيدخله الجنة فهو سعيد به ، وكل عمل يعمله فيدخله النار فهو شقي به . روي في ذلك خبر عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم روي عن عمر - رضي الله عنه - قال : لما نزلت هذه الآية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ سألت النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقلت : يا نبي الله ، فعلام نعمل ، على شيء قد فرغ منه أو شيء لم يفرغ منه ؟ قال : « بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ، ولكن كل ميسر لما خلق له » « 2 » فإن ثبت هذا فهو يدل لما ذكرناه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لما ذكرناه لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ قال بعضهم : الزفير هو كزفير الحمار في الصدر ، وهو أول ما ينهق ، وأمّا الشهيق فهو « 3 » كشهيق الحمار في الحلق ، فهو آخر ما يفرغ من نهيقه ، فهو شهيق . وقال بعضهم : الزفير هو ما لا يفهم منه شيء إنما هو كالأنين والجزع من شيء يصيبه لا يتبين منه ؛ كقوله : سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [ الملك : 7 ] والشهيق هو ما يرتفع منه الصوت يسمى شهيقا . ويحتمل ما ذكر من الزفير والشهيق أنهم يصيرون بعد كثرة دعائهم وندائهم حتى يكون منهم الزفير والشهيق « 4 » لا يفهم ؛ كصوت الدواب إذا أصابها ألم .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 114 ) ( 18583 ) ، والترمذي ( 5 / 187 ) باب « ومن سورة هود » ( 3111 ) وقال : حسن غريب ، وعبد بن حميد ( 20 ) وابن أبي عاصم في السنة ( 170 ) والبزار ( 168 ) وابن عدي في الكامل ( 3 / 1121 ) . ( 3 ) في ب : وهو . ( 4 ) قال ابن الخطيب : إن الإنسان إذا عظم غمّه انحصر روح قلبه في داخل القلب ؛ فتقوى الحرارة وتعظم ، وعند ذلك يحتاج الإنسان إلى النفس القوى لأجل أن يستدخل هواء باردا حتى يقوى على ترويح تلك الحرارة ؛ فلهذا السبب يعظم في ذلك الوقت استدخال الهواء في داخل الصدر ، وحينئذ يرتفع صدره ، ولما كانت الحرارة الغريزية ، والروح الحيواني محصورا داخل القلب ، استولت البرودة على الأعضاء الخارجية ؛ فربما عجزت آلات النفس عن دفع ذلك الهواء فيبقى ذلك الهواء الكثير منحصرا في الصدر . فعلى قول الأطباء : الزفير : هو استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب